عزّنا بطبعنا العز عندنا ما بدأ مع الثروة، ولا جاء مع الوفرة، ولا صنعته المكانة اللي تشوفها السعودية اليوم بين دول العالم.
العز عندنا أقدم؛ موجود في رجال هذه الأرض، في قراراتهم، وفي طريقة فهمهم لمعنى الدولة والكرامة والسيادة، يوم كانت الحياة أشد، والإمكانيات أقل، والطريق أطول. الثروة جات بعدين، وكبرت معها الإمكانيات واتسعت أدوات القوة، لكن معدن الدولة كان قد تجلّى في مواقف كثيرة قبل ما تكتمل حتى ملامح المملكة بالشكل اللي نعرفه اليوم.
في عام 1929 وقعت معركة السبلة، واحدة من أصعب المواجهات الداخلية اللي واجهها الملك عبدالعزيز أثناء بناء الدولة. كان أمامه تمرد يهدد الدولة اللي قضى سنوات طويلة وهو يجمع أطرافها، وبعد محاولات للصلح انتهى الأمر بالمواجهة وانتصرت قوات الملك عبدالعزيز. ولما انهزم المتمردون وبدأوا بالانسحاب، كان بإمكان المنتصر أن يلاحقهم، لكنه أمر رجاله بالتوقف عن ملاحقتهم.
والقصة ما وقفت هنا.
كان فيصل الدويش، أحد أبرز قادة التمرد، مصابا إصابة شديدة، وجاءت نساء أسرته إلى الملك عبدالعزيز يستشفعن له، وبعدها أُتي به محمولا من شدة إصابته.
وش من المتوقع يسوي قائد خرج للتو منتصرا على تمرد كان يهدد دولته؟! أمر طبيبه الخاص بالكشف عليه وعلاجه، ثم عفا عنه.
وهنا يظهر معدن الإنسان فعلا يوم يملك القدرة؛ لأن الأخلاق وقت العجز شيء، والأخلاق وقت المقدرة شيء آخر. يوم تكون الكلمة كلمتك، والموقف موقفك، وتملك القدرة على الرد، ثم تختار كيف تستخدم هذه القوة؛ هنا يظهر وش تحمله داخلك.
والملك عبدالعزيز ما كان فقط منتصر في معركة، كان يبني دولة، وكان يعرف قدر النصر، وقدر الدولة، وقدر نفسه.
بعد انتهاء المعركة وقف أمام العلماء والرجال المشاركين وقال:
«إخواني أوصيكم ونفسي بتقوى الله، إن هذه الواقعة وإن أحزنتنا فلقد سرنا منها ما نرجوه من الصالح لبلادنا بعدها».
رجل خارج من معركة، لكن عينه مو على نشوة الانتصار؛ عينه على البلاد بعدها.
وهذه بالنسبة لي من أعظم المعاني في قصص بناء الدول؛ لأن بناء الدول يحتاج ناس تعرف تشوف أبعد من يومها. تتخذ قرار اليوم وهي تفكر وش بيترك بعد عشر سنوات، وبعد خمسين سنة، ويمكن بعد مئة سنة. تزرع وهي تعرف أن جزء من الثمر بياكله ناس ما قابلتهم أصلا.
الملك عبدالعزيز استعاد الرياض عام 1902، وإعلان توحيد المملكة كان عام 1932. يعني ثلاثة عقود تقريبا من البناء ما كانت فيها الصورة اللي نعرفها اليوم بهذا الحجم من الحضور والمكانة والعز، ولا كانت نهاية الطريق ظاهرة من بدايته. مشى الملك عبدالعزيز بإيمانه، وبرجاله، وبفكره عن وطن ما اكتملت ملامحه بعد.
وهذا من أكثر الأشياء اللي تهزني في تاريخ التأسيس؛ أن فيه رجال عاشوا وتعبوا وبنوا لنتيجة كان جزء كبير منها بيعيشه ناس جاؤوا بعدهم وهذا من أعلى درجات الانتماء والاعتزاز أن تبني شيئا أكبر من عمرك.
لما اكتمل توحيد المملكة قال الملك عبدالعزيز رحمه الله:
«كل فرد من شعبي هو جندي وشرطي، وأنا أسير وإياهم كفرد واحد، لا أفضل نفسي عليهم، ولا أتبع في حكمي غير ما هو صالح لهم».
عبارة تشرح من وقت مبكر جدا معنى العلاقة بين هذه الدولة وأهلها.
ولهذا السعودي لما يتكلم عن بلده، فيه شيء في كلامه يتجاوز الجغرافيا؛ فيه ذاكرة، وفيه أهل سبقونا، وفيه رجال ونساء عاشوا ظروف يمكن إحنا اليوم ما نقدر نتخيل تفاصيلها، وتركوا لنا دولة نعيش فيها بهذا الأمن وهذه المكانة وهذا العز. و كثير من الصفات اللي نفتخر فيها اليوم ما صنعتها الظروف الحديثة؛ الظروف تغيرت، لكن الطبع امتد هذه الأرض عرفت رجالها قبل ما يعرف العالم ثروتها. عرفت معنى السيادة والولاء والصبر وطول النفس، وبعدها جاءت الثروة، وكبر الاقتصاد، وكبرت المدن، واتسعت الإمكانيات، وكبر حضور المملكة، وتغيرت أدوات القوة عبر الأجيال.
الثروة وسّعت أدواتنا، لكنها ما صنعت عزتنا.
فالعز عندنا اقدم من الثروة؛ هذا تاريخنا لكل متربص بالسعودية او يبني اماله على ازمة او يعتقد ان حدثا عابرا قادر يختصر مسيرة هذا البلد فالمشكلة غالبا تكون ضعف وعيه لان السعودية تعرف الشدة من زمان ، وتعرف البناء من زمان ، وتعرف طول الطريق. اللي ما يعرف الدولة من اين بدأت ووش مرت فيه وكيف وصلت الى هنا صعب جدا يقيسها بلحظة. الدول ما يصح تُقرأ من أزمة، ولا من حدث عابر، ولا من لحظة واحدة من عمرها. الدول تُقرأ من مسارها؛ من أين بدأت، وش مر عليها، وكيف تعاملت مع الشدة، وكيف بنت في الرخاء، وإلى أين وصلت. ومسار السعودية طويل. تعرف الشدة من زمان، وتعرف البناء من زمان، وتعرف طول الطريق. ولهذا يصعب اختصار مسيرتها في ظرف عابر، أو إعادة تعريفها من خلال لحظة واحدة؛ لأن الدولة اللي وراءها هذا الامتداد تُفهم من مجموع تاريخها.
اليوم إحنا في مرحلة مختلفة من عمر الدولة، وبالتالي المسؤولية اللي علينا مختلفة. أجدادنا حملوا السلاح وحموا الأرض، وأجيال بعدها بنت المؤسسات والمدن والمدارس والجامعات والطرق، واليوم جيلنا عنده ساحته الخاصة: العلم، والاقتصاد، والتقنية، والاستثمار، والإدارة، والثقافة، وصناعة حضور سعودي في العالم يليق باسم المملكة.
وهنا يجي المعنى الحقيقي لـ عزنا بطبعنا. هي مو مجرد عبارة نقولها، ولا عز نرثه ونتغنى فيه! . معناها أن الإنسان يعرف إنه حلقة في سلسلة بدأت قبله وبتستمر بعده، وإن اسم السعودية اللي يحمله معه له وزن في شغله، وفي علمه، وفي أخلاقه، وفي الطريقة اللي يمثل فيها بلده إذا خرج منها، وفي الشيء اللي يضيفه لوطنه. لأن العز مو مجرد شعور بالفخر، العز يظهر وقت القوة في الأخلاق، ووقت الشدة في الثبات، ووقت الرخاء في المسؤولية، ويظهر أكثر في الشيء اللي يبنى لناس يمكن ما نقابلهم أصلا.
وهذا اللي يجعل قصص الملك عبدالعزيز ورجاله أكبر من مجرد أحداث نقرأها في التاريخ؛ لأنها تشرح كيف تأسست عقلية دولة كاملة. دولة بدأ رجالها الطريق قبل ما يعرفون كيف بتكون نهايته، وزرعوا وهم يعرفون أن جزء كبير من الثمر سيأكله من يأتي بعدهم.
الوطنية إذا كبرت داخل الإنسان تظهر في أثره. تخليه أحرص على بلده، وعلى سمعته، وعلى إمكانياته، ويبدأ يفهم إن نجاحه الشخصي يصير له معنى أكبر لما يكون جزء من نجاح المكان اللي ينتمي له. والدولة اللي تعرف تاريخها ما يعيد تعريفها كلام عابر، ولا تحتاج تعيش طول الوقت تبحث: من رضي عنها؟ ومن ما رضي؟ ومن أعجبته؟ ومن ما أعجبته؟ تاريخها يتكلم عنها، وحاضرها يكمل الكلام.
وأجمل ما نهديه لوطننا في يومه هو جيل يعرف قدر الأرض اللي وُلد عليها، ويعرف وش عليه تجاهها. جيل ما يرث مجد وطنه ويتغنى فيه وبس، بل يكمله، ويزيد عليه، ويسلمه للي بعده أعز وأقوى وأجمل. لأن العز اللي ورثناه مو نهاية القصة؛ هو أمانة. عز له جذور عميقة في هذه الأرض، بدأ قبلنا بكثير، ونعيشه اليوم، ومسؤوليتنا يستمر بعدنا.
وبين جيل أسس، وجيل بنى، وجيل يكمل اليوم، تغير الزمن وتغيرت أدوات القوة، لكن بقي الأصل ممتد عزّنا بطبعنا. 🇸🇦
رحم الله الملك عبدالعزيز ورجاله، وحفظ الله خادم الحرمين الشريفين وحفظ وطننا وأهله من كيد الكائدين وغدر الخانين وعبث العابثين .
وكل عام وإحنا نعرف إن العز اللي نشوفه اليوم له جذور عميقة في هذه الأرض، وإن مسؤوليتنا مو بس نرثه ونفخر فيه؛ مسؤوليتنا نزيد عليه، ونسلمه للي بعدنا أعز وأقوى وأجمل.
وكل عام ووطني بخير وعز وأمان. 🇸🇦